Penaku Patah

لماذا نكتب؟ 2

كتابة كاتب قصد بها التعليم. ويمكننا تقسيمها إلى قسمين؛ ما قصد بها تعليم عوام الناس وهو الغالب الشائع، وما قصد بها تعليم فرد معين أو جماعة معينة. مثال الكتابة التي تهدف إلى تعليم شخص معين «العقيدة البرهانية» للشيخ أبي عمرو عثمان بن عبد الله السلالجي (ت. 574هـ) حيث ألفها ابتداء استجابة لطَلِبَةِ تلميذته الأندلسية “خيرونة” (ت. 594هـ). قال أبو الحسن ابن مؤمن تلميذ الشيخ السلالجي: «كان بمدينة فاس امرأة تسمى خيرونة، وكانت من الصالحات القانتات الزاهدات الغافلات المؤمنات. وكانت تعظمه (أي أبا عمرو السلالجي) وتوقره وتلزم مجلسه. فرغبت إليه أن يكتب لها في لوحها شيئا تقرأه على ما يلزمها من العقيدة. فكان يكتب لها في لوحها فصلا متى كلفته ذلك. فكانت تحفظه، فإذا حفظته ومحته كتب لها لوحا ثانيا. فكان ذلك دأبها حتى كملت عقيدة وكتبتها وكُتبت عنها، ولقبت بالبرهانية وصارت بأيدي الناس كثيرا… فأخذتها (أي البرهانية) وقام بفكري أن أرتبها فصولا وأعمل لها شِبه الخطبة. ثم شاورته (أي شيخه السلالجي) في ذلك فمنع منه وقال لي: “لم أتعرض فيها أن تكون تأليفا تكتب وتنتشر، وإنما كتبتها لخيرونة على وجه كذا. فشاء الله أن تشيع. فاتركها كما هي، ولا تزد فيها شيئا؛ فتخرج عما قصد بها.” فتركتها كما هي.»[1]

وأما الكتابة الموجهة لطائفة خاصة فحالها كحال سابقها من حيث عدم إرادة انتشارها بين ظهراني عوام الناس، إلا أنها وجدت أكثر. مثالها كتب الصوفية. قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في «اليواقيت والجواهير»: «نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقنا.»[2] وقد ألف الشيخ الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي كتبا فائقة في هذا الفن، وسمها «المضنون بها على غير أهلها» وألزم من أراد أن يطلع عليها شرائط يستحيل -عادة- اجتماعها في شخص واحد في زماننا هذا. قال في «الأربعين في أصول الدين»: «وإن أردت صريح المعرفة بحقائق هذه العقيدة من غير مجمجة ولا مراقبة فلا تصادفه إلا في بعض كتبنا المضنون بها على غير أهلها. وإياك أن تغتر وتحدث نفسك بأهليته، فتشرئب لطلبه، فتستهدف للمشافهة بصريح الرد، إلا أن تجمع ثلاث خصال؛ إحداها: الاستقلال في العلوم الظاهرة ونيل رتبة الإمامة فيها، والثانية: انقلاع القلب عن الدنيا بالكلية… والثالثة: أن يكون قد أتيح لك السعادة في أصل الفطرة بقريحة صافية وفطنة بليغة…»[3]

[1] المباحث العقلية في شرح معاني العقيدة البرهانية، أبو الحسن علي بن عبد الرحمن اليفرني، تحقيق جمال علال البختي، الرابطة المحمدية للعلماء – الرباط، 1/32-33.

[2] اليواقيت والجواهر، الشعراني، دار صادر – بيروت، 30.

[3] الأربعين في أصول الدين، أبو حامد الغزالي، تحقيق عبد الله عبد الحميد عرواني، دار القلم – دمشق، 39-40.

To Top
Loading...