Penaku Patah

1 لماذا نكتب؟

الإنسان -من أصل خلقه- فُضِّل بمزية العقل الذي يستطيع به تصوّرَ المعاني التي اكتسبها من طريق الحواس، ثم به يركب تلك المعاني ويستخرج منها الجديد من العلوم والمعارف. ثم النوع الإنساني مع مشاركتهم في مزية العقل متعذرون عن التواصل فيما بينهم بمجرد العقل، فأحوجهم هذا التعذر إلى التكلم والكتابة والإشارة وما أشبه ذلك مما يساعدهم في توصيل ما كمن في ضمائرهم إلى الغير. وكان للكتابة مكانة خاصة عندهم لما فيها من عدم الزوال -خلافا للنطق- وسهل التصرف -خلافا للإشارة. فآثروها على غيرها حيث وجدوها سبيلا فعالة لتحقيق غرضهم. فما هذا الغرض الذي أرادوا تحقيقه؟

قد يكون غرض الكاتب من الكتابة ما لا يتعدى نفسه، وقد يكون ما يعمه هو وغيره. ويظهر الغرض الشخصي فيما إذا كانت الكتابة تهدف إلى تنظيم المعاني الذهنية الصعبة التناول والفهم لدى صاحبها، أو المعاني العقلية المتشعبة الأطراف الطويلة الأذيال؛ فيتوسل الكاتب بالكتابة إلى تنظيم هذه المعاني وترتيبها بالصور الخارجة الثابتة وهي تلك الكتابة. وذلك يتم بوسيلة كتابة العبارات الدالة على تلك المعاني المنظمة في هيكل التشجيرات والتنقيطات والتقييدات مثلا. ألا ترى أنك في حينٍ تسمع أحدا يتكلم أو يقرأ ما بيده ولا تستوعب المعاني التي بإزاء كلماته الملفوظة، ولكن حينما يناولك الكتاب فتطلع عليه أو قيدت كلامه بكتابته في الكاغد تبين لك مراده. ذلك لأن هذه العلامات المكتوبة الدالة على ما في ذهن قائلها تبقى ولا تزول بتعاقب الكلمات كما نجد في الملفوظات؛ فيكون التصرف في هذه أسهل من تلك؛ فتقدم ما حقها التقديم وتؤخر ما حقها التأخير، وتحلل ما شئت منها وتركبها من جديد حتى يظهر لك معناها. ويُعد من الغرض الشخصي أيضا ما إذا كان الكاتب يجعل كتابته سبيلا لحفظ الأفكار التي تلقاها من قبل الغير أو التي ألهمها الله في جَنانه. ونمثل لذلك باليوميات والإملاءات والنسخ

ثم الغرض الشخصي الذي سبق أن بيّنَّاه قد يمتزج به الغرض العام، فحينئذ لا تقصر فائدة الكتابة في نفس الكاتب بل تتجاوزه وتتعدى إلى الآخرين. و”الآخرون” في هذا السياق قد يكون أيَّ شخص وأيَّ جماعة، وقد يكون شخصا معينا أو طائفة مخصوصة كما سترى قريبا. فمن ألوان الكتابة التي امتزج فيها الغرضان اثنان

كتابة كاتب قصد بها الإخبار والإعلام كتأليف كتب الرحلات مثل «رحلة ابن بطوطة» و«كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» الذي اشتهر برحلة ابن خلدون، و«الرحلة العياشية» لأبي سالم العياشي؛ فإن هؤلاء المؤرخين العلماءَ سجّلوا أمورا مهمة صادفوها خلال رحلاتهم وقصدوا به إعلام الغير بما وجدوا

…..

To Top
Loading...